بقلم الكاتب الصحافي عبدالله العبادي
المختص في الشؤون العربية والإفريقية
قبل قرون كانت الامبراطورية المغربية مستهدفة من طرف القوى الكبرى لموقعها الاستراتيجي، وأيضا لقوتها ومكانتها الدولية. كان يخوض فيها الشعب المغربي معارك طاحنة من أجل السيادة والوطن، فاستعصى على الغزاة بلوغ أهدافهم، وأن يروا الوطن منهكا وراكعا.
الحروب لم تكن عسكرية فقط في العقود الأخيرة، بل حروب مال واستخبارات وخبث سياسي مقيت. ولم يكن الهدف فقط تقسيم المملكة ولكن كان إسقاط أقدم الملكيات في العالم وتقزيم دور المملكة إقليميا ودوليا هو المطلوب. وخصوصا كسر صورتها التاريخية كقوة ترفض الخضوع.
الجميل فيما حدث، أن المملكة لم تنتصر لأنها الأقوى اقتصاديا وعسكريا أو تكنولوجيا، انتصرت لأنها تملك ما يفتقده الآخرون، وهو الشرعية والإرادة التاريخية، حيث لم تقرأ المملكة الصراعات بوصفها نزاعاً حدودياً، بل باعتبارها مواجهة وجودية تتعلق بصورة المغرب كدولة عريقة، ورفض المساس بشبر واحد من ترابه.
الدبلوماسية المغربية لا تتحرك داخل فراغ سياسي، بل تستند إلى سردية تاريخية وثقافية طويلة ترى أن المملكة تتجاوز الدولة القطرية العادية، إلى قوة حضارية لها مجالها الخاص وإرثها الفكري والتاريخي. للمملكة خصائصها وتراثها الأصيل وبروطوكولات ملكية ضاربة في القدم تثير حقد وحسد الكثيرين. قوة المملكة ليست في المشروع العسكري بل في طريقة النظر إلى الجغرافيا والسياسة والشعوب المحيطة بنا، ويظهر ذلك جليا في الفكر والثقافة والوعي الوطني الذي يرسخ صورة المملكة الجامعة والشاملة لكل الهويات والثقافات المختلفة في الداخل.
ولهذا تبدو الأحقاد اليوم، أقدم من بعض الدول، والصراع اليوم هو امتداد لسردية ترى المملكة تخوض دوما معركة الشرف والدفاع عن الحق، وكونها لا تتراجع عن مواقفها هو تهديد مباشر لصورة بعض الصغار الذين تعودوا على الخسارات أمام واحدة من أقدم الملكيات في العالم.
أخطأ بعض العربان والفرنسيس والإسبان، في تعاملهم مع الرباط وفي تقديرهم لقوة المملكة. وراهنوا دوما على تركيع المغريي من خلال الضغط والمناوشات السياسية والاقتصادية، ونسوا أن المغربي ملكي بتربيته ولا يتخلى عن مبادئه ولا عن سيادته مهما كان الثمن.
ما يربط المغربي بملكيته ووطنه، ليس مجرد عقد سياسي عادي بل بيعة متينة بين الشعب والملك، ووجدان وشعور تاريخي تشكل على فترات طويلة، رغم كل الأزمات التي حلت بنا، خرجت المملكة أقوى مما كانت.
استعدت المملكة منذ عقود طويلة لهذا النوع من الصراعات الإستخباراتية الخبيثة، فبنت شبكة علاقات دولية قوية، وعمّقت تحالفاتها مع جميع الأطراف، وطورت الصناعات والبنية التحتية وراهنت على التنمية المستدامة والطاقات البديلة، لتصبح مرجعا للطاقة النظيفة. كما فتحت المجال للاستثمارات الكبرى واستثمرت بالعمف الإفريقي، تاركة الخطب السياسية والشعارات للصغار وهي التي لا تغير لا التاريخ ولا الجغرافيا.
نملك القدرة والإرادة وبعقلية النفس الطويل التي ترى الزمن جزءاً من الصراع، وترى في القدرة على التجاهل سلاح قوي اتجاه الصغار، وهنا ظهرت الفجوة الحضارية العميقة بين مجتمع ملكي ومجتمع مداس الطنبوري.
فهم المغربي نقطة الضعف هذه من مدة، وأدرك أن الدول التي لا تملك تاريخا زاهرا لن تستطيع المجادلة طويلا، وسيسقط القناع، وأن المغربي لا يبحث عن انتصار استعراضي سريع، بل عن تهميش يستهلك خصومه ببطء، ونتيجة لذلك تصاعدت الانقسامات عند الصغار، وبدأت تواجه غضباً داخلياً، وبدأت أصوات تتحدث عن الحلول الواقعية والتسويات الممكنة لأنها أدركت أن العداء القدر والحقد الدفين تحول إلى حفرة استنزاف لا نهاية مضمونة لها.
الأحداث كشفت أن الغربان والضباع يواجهون بلداً يفاوض بعقلية تاريخية عريقة، عقلية الملوك والسلاطين الشرفاء، وبعقلية تعتبر التراجع تهديداً وجودياً لا مجرد خسارة سياسية عابرة. هنا تعاد دروس الماضي لتظهر من جديد وتتكرر أمام أعين الأعداء الذين لا يفهمون لا الحاضر ولا يستشرفون المستقبل ولا تاريخ لهم.
وفي المشهد العالمي الجديد، ظهرت قوة الملوك، بثقة أكبر، وبشعب يعشق التحدي، لا لمراقبة الوضع ولكن من أجل التموقع في دائرة الكبار، وإعادة تقديم بلادنا باعتبارها قوة تاريخية لا يستطيع أحد تجاهلها. وأن المملكة ماضية في صناعة التاريخ بفضل حنكة ملكها وسياسات رشيدة ودبلوماسية فعالة.
المملكة والملكيون كما عرّفها تاريخها الطويل، عنيدة، قاسية في صبرها، بطيئة في انفعالاتها، لكنها أكثر قدرة على الاحتمال من خصومها، مملكة تعرف كيف تحوّل الأزمات إلى مشاريع، ولا تترك وقتا فارغا دون استثماره. وطن تتآكل فوقه كل أحقاد الأعداء أمام إصرار دولة قررت أن تخوض معاركها حتى النهاية بلا تردد ولا خوف.
Please follow and like us:
