نظمت مراكش مؤخراً جلسة تواصلية حول المالية الجماعية، ركزت على استعراض التحديات المالية التي تواجه الجماعة وسبل تعزيز الشفافية في تدبير الموارد. غير أن مجريات هذا اللقاء، وفق متتبعين، أثارت تساؤلات حول مستوى التفاعل وطبيعة النقاش الذي رافق عرض المعطيات المالية.
وتأتي هذه الندوة في سياق تعرف فيه مالية جماعة مراكش ضغوطاً متزايدة، بفعل ارتفاع كلفة التدبير الحضري، وتوسع المجال العمراني، وتنامي الطلب على الخدمات الأساسية من نقل ونظافة وإنارة وبنيات تحتية، وهو ما يجعل النقاش حول الاختيارات المالية والبرامج الاستثمارية مسألة ذات أولوية قصوى بالنسبة للمدينة وساكنتها.
غير أن أهمية الموضوع لم تنعكس على مستوى التفاعل داخل الندوة، إذ بدا واضحاً، حسب متتبعين، أن اللقاء افتقد للزخم الذي يليق بنقاش مالي يهم مدينة بحجم مراكش، سواء من حيث مستوى الحضور أو طبيعة المداخلات. وهو ما يعكس، في نظرهم، إشكالاً أعمق يتجاوز هذا اللقاء بعينه، ليطال طريقة التعاطي مع النقاش العمومي المرتبط بالمالية المحلية.
الأكثر إثارة للانتباه، بحسب ما عاينته الجريدة، هو أن بعض المداخلات لم ترتقِ إلى مستوى النقاش النقدي المنتظر، وانزلقت نحو خطاب الإشادة والتصفيق، دون الخوض في جوهر الإشكالات المطروحة، أو مساءلة الأرقام والمعطيات المعروضة، خاصة تلك المرتبطة بترشيد النفقات، وتعبئة الموارد، وجودة صرف الميزانية. وهو ما أعطى الانطباع بأن الهدف، في بعض الحالات، لم يكن الإسهام في نقاش يخدم الصالح العام، بقدر ما كان حضوراً شكلياً يفتقد للجرأة والاستقلالية.
هذا النوع من السلوك لا يسيء فقط إلى صورة الندوات الرسمية، بل يُفرغها من مضمونها، ويحوّلها إلى مناسبات عابرة لا تقدم إضافة حقيقية للنقاش العمومي. فحين يحل التطبيل محل التحليل، وتغيب المساءلة لصالح المجاملة، تصبح مثل هذه اللقاءات عاجزة عن أداء دورها في تجويد القرار المالي المحلي وتعزيز الحكامة الجيدة.
كما أن ضعف التمثيلية في مثل هذه اللقاءات، وغياب فاعلين معنيين بشكل مباشر بالملف المالي، يطرح علامات استفهام حول مدى الجدية في جعل الندوات أدوات فعلية للتواصل والمساءلة، خاصة وأن القانون التنظيمي المتعلق بالجماعات الترابية يؤكد على ضرورة إشراك المجتمع المدني والفاعلين المحليين في تقييم السياسات العمومية ومناقشة اختياراتها.
وفي الوقت الذي تتجه فيه بعض الجماعات الترابية نحو اعتماد آليات تشاركية أكثر انفتاحاً، من قبيل تبسيط المعطيات المالية أو توسيع فضاءات النقاش العمومي، يظل الرهان في مراكش هو الارتقاء بمثل هذه اللقاءات من مجرد فضاءات للعرض إلى منصات حقيقية للنقاش المسؤول والمساءلة البناءة.
فالمواطن، في نهاية المطاف، لا يبحث عن أرقام مجردة أو عروض تقنية، بقدر ما ينتظر ترجمة هذه المعطيات إلى تحسين ملموس في جودة الخدمات، وتقليص الفوارق المجالية بين الأحياء، وربط فعلي بين الميزانية والواقع المعيشي اليومي.
إن مدينة مراكش، بما تواجهه من تحديات مالية وتنموية، في حاجة إلى نقاش عمومي حقيقي وجريء، لا إلى لقاءات شكلية تُستعمل لتسجيل الحضور أو تلميع الصور. فالرهان اليوم لا يكمن في تنظيم المزيد من الندوات، بل في إعادة الاعتبار لوظيفتها، حتى تستعيد دورها كرافعة للنقاش، والمسؤولية، والمحاسبة، وخدمة الصالح العام.
Please follow and like us:
