بقلم الكاتب الصحافي عبدالله العبادي
المختص في الشؤون العربية والإفريقية
نحن أمام مغرب لم يعد يحضر فقط بوصفه نموذجًا في الاستقرار، بل بوصفه بلدًا يشارك في صناعة الاستقرار نفسه على المستوى الإقليمي والدولي. لقد راكم المغرب تجارب كبيرة ناجحة وناضجة، وتحت قيادة الملك محمد السادس، احتل مكانة دولية جديدة قوامها الثقة في مؤسساته، والاعتراف بفعالية أجهزته، والرهان عليه كشريك جدي في ملفات الأمن والدفاع والعدالة والتحول الرقمي.
لقد أدرك ملوكنا مبكرا، أن موقعنا ليس مجرد معطى جغرافي فقط، بل فرصة استراتيجية يجب استثمارها. فاتجهت العقيدة الجيوسياسية للمملكة نحو بناء مشروع محوري بين أوروبا وإفريقيا والعالم الأطلسي. هذا التحول جعل من المملكة مركزا صاعدًا في معادلات الاستقرار الإقليمي ومنصة إقليمية للربط الاقتصادي واللوجستي بين القارات.
وفي الداخل، يقود جلالة الملك ورشا كبيرا لإعادة تعريف مفهوم السيادة الوطنية، الذي لم يعد مجرد مفهوم سياسي مرتبط بالحدود أو بالقرار الدبلوماسي، بل أصبح مفهومًا متعدد الأبعاد يشمل السيادة الغذائية والطاقية والتقنية، مع تحديث البنيات الاقتصادية وتعزيز القدرات الوطنية في مجالات الصناعة والابتكار. هذا ما يترجمه واقعيا النموذج التنموي الجديد، الذي يُعتبر أحد أهم المشاريع الإصلاحية في تاريخ المغرب الحديث. إلى جانب تسريع النمو الاقتصادي، يسعى النموذج إلى بناء دولة أكثر عدالة وفعالية، ترتكز على الجهوية المتقدمة، والنجاعة الإدارية، وربط المشاريع الوطنية الكبرى بالحاجيات الاجتماعية للمواطن.
هذا التحول الكبير لا يقتصر على الاقتصاد أو الدبلوماسية، بل يعيد تشكل فلسفة الدولة نفسها. حيث انتقلت المملكة من الدولة المدبرة للأزمات إلى نموذج الدولة الاستراتيجية التي تستثمر في الاستقرار المؤسساتي وتضع مشاريع ومخططات أمنية مستقبلية باعتباره رأسمال مهم في مجال إقليمي مضطرب.
لقد اتجه المغرب اقتصاديا نحو قطاع الصناعات ذات القيمة المضافة كصناعة السيارات والطيران والطاقات النظيفة مع تعزيز موقع موانئه كمراكز لوجستية وتجارية عملاقة، مع الحرص على انفتاح تجاري وشراكات دولية متوازنة تجعل المملكة في قلب الاقتصاد العالمي. كل هذا ساهم في إشعاع صورة المملكة عالميا بفضل حكمة جلالة الملك، إذ أصبح المغرب شريك اقتصادي وأمني موثوق فيه ورقم صعب في معادلة التحولات العالمية الكبرى.
إلا أن هذه التحولات العميقة ليست شأن الدولة وحدها، بل مسؤولية شعب بكامله تتطلب وعيًا وطنيا كبيرا يستجيب لمتطلبات المرحلة، بانخراط المواطنين والمؤسسات الوطنية والدستورية والأحزاب السياسية، والمجتمع المدني والإعلام في مواكبة هذا التحول، بالمساهمة الفعلية في ترسيخ ثقافة الإصلاح والعصرنة، وليس فقط بالنقاش والتحليل .
ما يقوم به جلالة الملك، ليس مجرد إصلاحات عادية، بل عملية إعادة تموقع تاريخي للدولة في محيط إقليمي ودولي متغير. إنه مشروع ملكي واع لبناء دولة قوية بمؤسساتها وفاعلة بدبلوماسيتها، ومندمجة في اقتصاد كوني، دون أن تفقد خصوصيتها الحضارية وهويتها الوطنية.
العديد من التقارير جاءت لتمنح هذا المعطى بعدًا أوضح، حيث أضحى المغرب شريك قريب وموثوق واستراتيجي للاتحاد الأوربي، كونه يؤدي دورًا أساسيًا في تطوير التعاون في الفضاء المتوسطي، بما يشمل مكافحة الإرهاب والأمن البحري والتنسيق ضد كل التهديدات، كما أكدت الممثلة العليا للاتحاد الاوربي.
إن مكانة المغرب لم تعد تقاس بطبيعة موقعه الجغرافي أو بحجم تعاونه الثنائي مع بعض الدول الأوروبية، بل أيضًا بكونه أصبح يُقدَّم من داخل المؤسسات الأوروبية نفسها كفاعل إقليمي مركزي في هندسة الأمن الإقليمي والمتوسطي. تحولات جدرية تؤكد أننا أمام تحول كبير في صورة الدولة والمكانة التي أصبحت تشغلها في النظام العالمي الجديد.
كما أن الثقة في بلدنا لم تعد مقتصرة على الملفات الأمنية بالمعنى التقليدي، بل شملت مجالات مرتبطة بالحوكمة والتحول التكنولوجي، وبقدرة الدولة على تدبير القطاعات الحساسة بمستوى مؤسساتي متقدم. كل هذا يترجم المشاريع الملكية ونظرة جلالة الملك في مغرب ما بعد 31 أكتوبر، التي ربطت التحديث بالتكنولوجيا والمعرفة، والتأكيد على تأهيل مؤسسات الدولة وتحديث أدواتها، وصولًا إلى المبادرات الكبرى التي تربط الاستقرار بالتنمية والانفتاح والربط القاري.
لقد أصبح للدولة تصور خاص ومكانة خاصة وأدوات قوة وطريقتها في التموقع في الخرائط الجيوسياسية الجديدة، هذا التحديث لصورة المملكة هو ثمرة عمل طويل للقيادة في مجال الأمن والدفاع والعدالة… لم يعد المغرب تحت قيادة جلالة الملك يحمي استقراره فقط بل أصبح شريكا قادرا على الإسهام في استقرار أوسع من حدوده.
المعنى الأعمق لما نشهده اليوم، نتيجة منطقية لتراكم طويل للدولة المغربية العريقة، لا مجرد حصيلة ظرفية فرضتها أحداث معزولة.
Please follow and like us:
