بقلم الكاتب الصحافي عبدالله العبادي
المختص في الشؤون العربية والإفريقية
من المبادئ التي تقوم عليها المجتمعات الراقية، هو مبدأ حرية الرأي والتعبير، إلا أن الحدود بين مفهوم حرية التعبير وخطابات الكراهية أصبحت جد معقدة ومثيرة للجدل بشكل متزايد في وقتنا الحاضر، هذا التقاطع بين حماية حرية التعبير وحظر خطابات الكراهية خلق غموضا في المعايير والقوانين التي بموجبها يتم حظر الخطابات ذات طابع الكراهية والتطرف، أو تلك التي يسمح بإبدائها وفق مبدأ حرية الرأي في بلدان تسعى لمنح أكبر مساحة ممكنة للاختلاف في الفكر والرأي.
لقد أدى ظهور التقنية الحديثة ومواقع التواصل الاجتماعي و تطور استعمالها بهدف التواصل السريع، إلى تقريب المسافات وسرعة انتشار الخبر، كما سمحت للأفراد والمؤسسات باستعمالها في تعبئة الأفراد والمجتمعات. لكن يبدو أن البعض لم يستوعبوا بعد معنى الحرية، ولا معنى إبداء رأي، فكل ما يقومون به هو التحريض والهجوم والقدف والتمييز معتبرين ذلك حقا مكتسبا دستوريا وحرية تعبير. ينتقد الكثيرون الدول التي تفرض قيودا على حرية التعبير، في المقابل لا يفرق البعض بين مبدأ حرية التعبير وخطابات الكراهية، لذلك يتوجب اليوم سن قوانين تسمح بممارسة الحق في التعبير دون إغفال رسم حدوده.
إن تجريم التمييز وخطاب الكراهية ضروري لحفظ حقوق المواطنين والمحافظة على مبدأ المساواة والعدالة داخل المجتمع، ومن ثم تماسكه واستمراره. من هذا المنطلق، يجب على كل الدول تحقيق هدف الموافقة بين الحماية من خطاب الكراهية وضمان الحق في حرية التعبير عبر سن تشريعات تجرم كل ما يعتبر تمييزا أو نشرا لخطاب الكراهية عبر مواقع التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية أو وسائل الإعلام المختلفة.
قد تؤدي قوانين تجريم الكراهية بصياغاتها العامة إلى نتائج عكسية تمنح أصحاب هذه الخطابات شعورًا واهيًا بالمظلومية، وهذا ما تبحث عنه الجماعات المتشددة الدينية واليسارية لتأجيج الوضع واللعب بالعقول الصغيرة. فمواجهة خطاب الكراهية تكون أكثر فاعلية عبر أدوات غير رقابية، أهمها الخطاب المضاد، الخطاب الذي يعري الكراهية والتمييز. ووفقه يجري شرح وتعرية خطاب الكراهية وأشكاله المختلفة، وتبيان كيفية تأثيره على المجتمع، ومعالجته بشكل فكري وإعلامي بالخصوص.
هناك تشابك بين خطاب الكراهية وحرية التعبير، وعلى المجتمع فكه قبل المؤسسات الرسمية، فلكل شيء حدود. وإذا كانت حرية التعبير من أسمى ما حققته البشرية، فهذا لا يعني “جدال الغاب” وفتح المنابر أمام من هب ودب لينشر الحقد والكراهية باسم الحرية. إن التصدي لخطاب الكراهية وبعض مرتزقة مواقع التواصل الاجتماعي وبعض أشباه السياسيين، لا يعني تقييد أو حظر حرية التعبير، بل يعني منعه من أن يتحول إلى ضرر أكثر خطورة على الأفراد والمجتمعات، إذ ينشر الفتنة والتفرقة ويهدد استقرار المجتمع.
تاريخياً، خطاب الكراهية والتمييز أسهم في التمهيد لصراعات مروعة، بما في ذلك أزمات مجتمعية وحروب. إن تبني خطاب الكراهية من أجل تحقيق مكاسب سياسية ليس بالأمر الجديد للأسف، فخير من يجيده الإسلاميون واليسار الراديكالي المتشدد. فقد يؤدي تزايد انتشار خطاب الكراهية والمعلومات المضللة والتخفي وراء هويات ضيقة ومضادة، إلى مزيد من التفرقة وربما إلى طريق مظلم ومدمر.
Please follow and like us:
