الرباط – 30 أبريل 2026
لم تعد المعرفة اليوم محصورة داخل القاعات الدراسية أو في إطار النصوص النظرية، بل أصبحت تمتد إلى فضاءات المؤسسات الدستورية حيث تُصاغ القوانين وتُحدد السياسات العمومية. وفي هذا الإطار، تبرز الزيارات الميدانية باعتبارها أحد أهم آليات التكوين الحديثة، لما توفره من ربط مباشر بين التكوين الأكاديمي والممارسة المؤسساتية.
وفي هذا السياق، نظم الفريق البيداغوجي لماستر التميز في المنازعات القانونية والقضائية والتحول الرقمي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية بآسفي التابعة لجامعة القاضي عياض زيارة علمية إلى البرلمان المغربي يوم الخميس 30 أبريل 2026، في مبادرة تعكس توجهًا بيداغوجيًا يهدف إلى تعزيز التكوين التطبيقي لدى الطلبة.
تطرح هذه التجربة إشكالًا جوهريًا يتعلق بمدى مساهمة الزيارات الميدانية للمؤسسات الدستورية في تقليص الفجوة بين التكوين النظري والممارسة العملية، وإلى أي حد يمكن أن تسهم في إعداد جيل قانوني قادر على فهم تعقيدات العملية التشريعية ومواكبة التحولات الرقمية والمؤسساتية المتسارعة.
وقد شكلت هذه الزيارة أكثر من مجرد محطة عابرة في المسار الأكاديمي للطلبة، بل تجربة معرفية حية نقلتهم من عالم المفاهيم المجردة إلى فضاء العمل المؤسساتي الواقعي. داخل أروقة البرلمان المغربي، اطلع الطلبة على مختلف مراحل العملية التشريعية بدءًا من اقتراح القوانين مرورًا بدراستها داخل اللجان المختصة وصولًا إلى مناقشتها والمصادقة عليها في إطار توازن السلط.
كما أتاح هذا الاحتكاك المباشر فهمًا أعمق لدور المؤسسة التشريعية باعتبارها ليس فقط جهازًا لإنتاج النصوص القانونية، بل فاعلًا أساسيًا في مراقبة العمل الحكومي وتوجيه السياسات العمومية، وساهمت اللقاءات التفاعلية مع عدد من الأطر البرلمانية والإدارية في توضيح جوانب تطبيقية دقيقة لا تعكسها النصوص القانونية في بعدها النظري.
وامتدت الزيارة إلى المرصد الوطني للإجرام حيث تعرف الطلبة على أدواره في تحليل الظاهرة الإجرامية واستشراف آليات الوقاية منها، في مقاربة علمية تجمع بين البحث الأكاديمي وصناعة القرار الجنائي، وهو ما أبرز البعد الاستراتيجي للتكوين القانوني الحديث الذي لم يعد يقتصر على فهم القواعد القانونية بل يتجاوزه إلى إدراك علاقتها بالبنية الاجتماعية وتحولاتها.
وعلى المستوى التربوي والإنساني، عبر عدد من الطلبة عن انطباع إيجابي عميق، معتبرين أن هذه التجربة مكنتهم من إدراك أن ما يتلقونه داخل القاعات الدراسية ليس مجرد معارف نظرية بل أدوات لفهم الواقع والتفاعل معه، وهو ما يعزز ثقتهم في مسارهم الأكاديمي ويحفزهم على مزيد من الاجتهاد والانخراط.
وفي هذا السياق، أكد الأستاذ الدكتور لحسن لحمامي منسق الماستر أن هذه المبادرات تندرج ضمن رؤية بيداغوجية حديثة تقوم على التكامل بين النظرية والتطبيق وعلى إعداد كفاءات قانونية قادرة على مواكبة التحولات الرقمية والمؤسساتية في ظل التحديات المتسارعة التي يعرفها قطاع العدالة.
وتؤكد هذه التجربة أن الجامعة لم تعد مجرد فضاء لنقل المعرفة، بل أصبحت فضاء لإنتاج الوعي القانوني وبناء شخصية الطالب القادرة على التحليل والنقد والمشاركة في صناعة القرار، إذ إن الانفتاح على المؤسسات الدستورية يعيد الاعتبار للبعد العملي في التكوين ويمنح المعرفة بعدها التطبيقي والاجتماعي.
وفي المحصلة تتحول هذه الزيارات من أنشطة موازية إلى لحظات تأسيسية في المسار الأكاديمي للطلبة تعيد تشكيل علاقتهم بالقانون وتدفعهم من مستوى تلقي المعرفة إلى إدراك روحها ومن الفهم النظري إلى المساهمة في إنتاجها داخل المجتمع.

Please follow and like us:
