يشهد سوق العمل المغربي، لا سيما فيما يتعلق بعقود العمل الموسمية أو الدائمة الموجهة نحو أوروبا، وخاصة فرنسا، ظاهرة مقلقة تتجاوز حدود الإطار القانوني المنظم للتشغيل. يتمثل جوهر هذه الظاهرة في تلاعب شبكات من الوسطاء في مدينتي آسفي والدار البيضاء بعقود العمل المخصصة أصلاً للسائقين، والتي من المفترض أن تكون مجانية، محولين إياها إلى مصادر للربح غير المشروع. تتفاقم خطورة هذا الوضع بفعل التواطؤ أو التقاعس الملحوظ من قبل جهات فاعلة في القطاع، أبرزها مديرو شركات فرنسية متواطئون، وفي تغييب تام وواضح لدور الوكالة الوطنية لإنعاش الشغل والكفاءات (ANAPEC) كجهة تنظيمية ومراقبة أساسية. هذا المقال يسعى لتحليل أبعاد هذه الظاهرة، وتأثيراتها الاجتماعية والاقتصادية، وكيفية تمكن هذه الشبكات من ترسيخ ممارساتها في ظل غياب الرقابة الفعالة.
تعتمد الآلية الاحتيالية على استغلال حاجة آلاف الشباب المغاربة، وخاصة في قطاع النقل، للعمل في أوروبا. يتم الإعلان عن فرص عمل لسائقين (شاحنات أو حافلات) في فرنسا، مع التأكيد المفترض على أن هذه العقود يتم الحصول عليها بشكل قانوني ومجاني عبر القنوات الرسمية. في الواقع، يقوم الوسطاء، الذين يتخذون من المدن الكبرى كقاعدة لهم، بتسهيل عملية الحصول على هذه العقود عبر علاقاتهم المشبوهة داخل بعض الشركات الفرنسية. الثمن المدفوع للوسيط لا يقتصر على رسوم إدارية بسيطة، بل يتعداه إلى مبالغ كبيرة تُستقطع تحت مسميات مختلفة، مما يحول عقد العمل المجاني إلى سلعة مدفوعة الثمن، وهو ما يخالف المبادئ الأساسية لقانون الشغل والتشغيل.
يكمن التعقيد الأكبر في دور المدير الفرنسي المتواطئ. فبعض المديرين في الشركات الفرنسية المستفيدة من اليد العاملة المغربية يسهلون منح هذه العقود للوسطاء مقابل عمولات أو تسهيلات أخرى. هذا التواطؤ يضمن وصول الوسطاء إلى قائمة الأسماء المقبولة فعليًا، متجاوزين بذلك الإجراءات الرسمية التي تفرضها اتفاقيات الهجرة الثنائية، والتي تهدف إلى ضمان شفافية الاختيار وحماية المترشحين. إن دعم المدير الأجنبي يمنح العملية صبغة شرعية زائفة، ويصعب على الجهات الرقابية المغربية تتبع الخيوط المالية والإدارية المعقدة التي تربط بين الوسيط المغربي والشركة الفرنسية.
في المقابل، يبرز الدور المغيب للوكالة الوطنية لإنعاش الشغل والكفاءات (ANAPEC). من المفترض أن تكون الوكالة هي الصمام الأمان الذي يضمن سلامة عقود العمل الموجهة للخارج، ويشرف على مطابقتها للقوانين الوطنية والمعاهدات الدولية. ومع ذلك، يشير انتشار هذه الممارسات إلى فشل ذريع في المراقبة والتنفيذ. قد يعود هذا التغيب إلى ضعف الإمكانيات البشرية والتقنية للوكالة لمتابعة كافة الإجراءات المعقدة للتوظيف الدولي، أو ربما يعود إلى ضعف التنسيق بين الوكالة ووزارة التشغيل والمصالح القنصلية في فرنسا. عدم وجود نظام تتبع فعال يتيح للوسطاء العمل في المنطقة الرمادية، حيث يستغلون الثغرات القانونية لتقديم أنفسهم كـ “مُسهلين” مقابل مبالغ مالية، بدلاً من أن يكونوا مجرد جسر تواصلي خاضع للرقابة.
تتسبب هذه التلاعبات في تبعات وخيمة على العمال المغاربة. أولاً، يتم تحميل العامل أعباء مالية غير قانونية، مما يضعه تحت رحمة دائنيه منذ بداية عمله في فرنسا، ويجعله عرضة للاستغلال المباشر من قبل صاحب العمل الفرنسي الذي يعلم أنه يدفع أجراً أقل مما يستحق العامل نظراً لديونه المتراكمة للوسيط. ثانياً، تخلق هذه الممارسات سوق عمل غير تنافسي، حيث يتم تفضيل من يدفع للوسطاء على الكفاءات الحقيقية التي قد تتبع المسار الرسمي، مما يقوض جهود الدولة لرفع جودة الموارد البشرية المغربية. كما أن التلاعب بعقود العمل المجانية يعطي انطباعًا سلبيًا عن شفافية سوق العمل المغربي لدى الشركاء الأوروبيين
و تشكل شبكات التلاعب بعقود العمل للسائقين بين آسفي والدار البيضاء وفرنسا، بدعم من مديرين أجانب متواطئين، خرقاً فاضحاً للقوانين وتهديداً للعدالة الاجتماعية. إن استمرار هذه الظاهرة يعكس قصوراً مؤسساتياً في تفعيل الرقابة الفعالة من قبل الوكالة الوطنية لإنعاش الشغل والكفاءات. إن حماية العمال المهاجرين وضمان حقوقهم تبدأ بتطهير قنوات التوظيف وتفعيل العقوبات الرادعة ضد كل من يتجرأ على تحويل فرصة عمل مشروعة إلى سلعة استغلالية.
Please follow and like us:
