موعد مع الجبل (الظلام )
توقفنا بين السكن والأقسام وقد أحاطت بنا الظلمة، ليتبين بعد ما تكيفت عيوننا قليلا مع المكان ان الفرعية هي ثلاثة أقسام مفككة، وامامها ينتصب السكن الموعود.
لم نتبين ألوان القاعات ولا حالاتها على وجه التحديد، لكن ما شدنا هو منظر القمم العالية التي تكاد تطبق على الفرعية من جميع الجهات، وكأننا وسط فوهة بركان. أما الأشجار الشوكية التي تغطي القمم فكانت تتراءى كأشباح شعث تتربص بنا وتمعن في تحطيم معنوياتنا المتهالكة اصلا…
كان الشعور وكأننا في حلم ننتظر ان ينقضي مع صباح اليوم التالي الذي بدا بعيدا. ولم نجد حلا لمقاومة ذلك الإحساس إلا بتبادل كلمات كنا نتكلفها بيننا بصعوبة للخروج من غم التواجد في موقف لم نتصور أن نواجهه من قبل .
أما مرافقنا فكان مفعما بالحيوية وهو ينزل حاجياتنا من على دوابه، وكان منزله قريبا على القمة قرب دور متناثرة أخرى لأناس سندرس أبناءهم، وسنكتشف من خلالهم واقعا وعادات تختلف تمام الاختلاف مع ما اكتسبناه في واقعنا ونشأنا عليه. كما ستتقاطع طباعنا وطباعهم ، عن بعد، وستسهم في تلون وتغير ما سنعايشه من احداث .
استسلمت شخصيا لقدري، غير ان ما درسته من تكوين نظري بدأ يتلاشى أمام ناظري كطيور باجنحة ممزقة تطير متهالكة ثم تتفتث وتستحيل سرابا عندما تصطدم بقمم جبال فر عيتي الحادة.
ظل جسدي يتحرك بينما شرد فكري و تصورت انه كان بالامكان داخل مركز التكوين ان يخصصوا لنا مكونا او ماة ندرس فيه مكونات مختلف البيئات التي سنشتغل فيها، او يسطروا تداريب تكوين بالمناطق الجبلية، وبذلك سيكون التكوين مكيفا مع واقعنا وليس مع واقع “بياجي” وغيره من منظري المجتمع الغربي الذي تتطابق النظريات فيه مع ما هو موجود فعلا بالواقع…
بعد ان انزلنا أمتعتنا غادر صاحب الدواب إلى مأواه القريب ،حسب رأيه ، فاحسسنا بثقل ينزل على كواهلنا فنقلنا الأغراض ببطء شديد، وظل كلامنا مع بعضنا توجيهات لترتيب الأغراض داخل السكن الذي حددنا مرافقه بصعوبة بسبب رداءة ضوء الشموع وعدم تعودنا على إنارتها .
تبين أن السكن مكون من غرفة صغيرة استوطنتها بالتراضي و”الإيثار” لكوني كنت متعودا على النوم منفردا . وبجانب الغرفة صالة، سكنها صديقاي الميسوران مقارنة معي، و اللذان كانا يتجنبان العزلة والظلمة ، وهو ما كشفاه لي بعد مدة. وفي مواجهة باب الصالة مطبخ صغير تمتد على أحد جدرانه طاولة إسمنتية ذات مغسل وصنبور ماء للزينة فقط لأن الماء كان يتطلب صعود وهبوط مسافات طويلة. أما المرحاض فيجاور باب الخروج الخشبي المواجه للأقسام .
تعشينا بيضا وخبزا جلبناهما من السوق، ثم طرح كل منا فراشه. كان فراشي عبارة عن حصير و فراش اسفنجي عتيق من عهد التكوين تقوس من فرط الثني، و توفر لي غطاءان تآكلا من الإهمال وقلة العناية.أما وسادتي فأخذتها ، خطأ، من جدتي التي كانت تخزن بداخلها النقود القليلة المحصلة من عملها المتقطع في نسج أغطية الصوف. وقد عانت رقبتي من عدوان الوسادة حتى تخلصت منها…تجهزت لأول ليلة لي كمعلم جبلي، وأنا آمل أن يكشف لي ضوء النهار اسرارا أخرى تبعث الحماس بخلاف قمم الجبال التي استقبلتنا بعناد … (يتبع) شتنبر 1996
صلاح الدين مندوحي
Please follow and like us:
